حسن الأمين
261
مستدركات أعيان الشيعة
مسيحيون ، بينهم اثنان من لبنان هم : نجيب الأميوني من حاصبيا رئيسا وأسعد أبو شعر من دمشق عضوا وفايز الخوري من الكفير ( حاصبيا ) عضوا . أما اليوم وبعد أن استقلت البلاد العربية وقامت فيها دول وحكومات فإننا لا نطمح أن يعامل العربي في أي قطر عربي بمثل ما يعامل به أبناء ذلك القطر ، بل أن أكثر ما نطمح إليه هو أن يسمح العرب للعرب بدخول أقطار العرب بمثل ما يسمح به [ الأوربيوت ] الأوربيون بعضهم لبعض . وأن تعامل حكومات العرب بعضها بمثل ما يتعامل به الأصدقاء والجيران في كل مكان بلا شحناء ولا تباغض ولا تقاتل ! . إنني وأنا أكتب هذه السطور أقرأ بلاغا لحكومة عربية تباهي به أنها أسقطت لحكومة عربية أخرى طيارة وعطلت كذا دبابات وقتلت كذا رجالا ! . . هذا والحكومتان تحملان اسما واحدا ولكن تنتمي إحداهما إلى الشمال والأخرى إلى الجنوب ! . وأسمع صيحات التشاتم والتشاجر تتعالى من هاهنا وهاهنا ! . أقرأ وأسمع وأرى ، في نفس الحين الذي أقرأ فيه كلاما للمرأة العجوز غولدا مايير تهدد وتتوعد وتهزأ وتسخر ! . وإذا كان من غير المستغرب في هذا العصر أن ترئس امرأة أية حكومة ، وإذا كان في العالم اليوم إلى جانب ( الرئيسة ) غولدا مايير رئيستان أخريان في الهند وسيلان . فان من الإيغال في الاذلال المعنوي أن يكون المهدد المتوعد الهازئ الساخر بالعرب أجمعين وملايينهم المائة والعشرين وجلالاتهم وفخاماتهم وسياداتهم هو امرأة عجوز ! . والآن وأنا أكتب هذه الذكريات في خريف العام 1972 أي بعد مرور اثنين وخمسين سنة على تلك الأحداث . وبعد أن شهدت الأمة العربية ما شهدت ومر بها ما مر . الآن أقرأ وصفا للضياع الذي كان فيه العرب يوم ذاك والتمزق الذي كانوا يعيشونه وهم يواجهون مرحلة من أخطر مراحل وجودهم . أقرأ وصفا كتبه واحد ممن حضروا تلك الفترة وعانوها كل المعاناة . الآن أقرأ ما كتبه أسعد داغر وهو يتحدث عن واقع العرب في تلك الفترة الحرجة : « ولكن زعماء العرب ومفكريهم بعد أن رفعوا شعور الأمة إلى هذا المستوي العالي لم يحسنوا الاستفادة منه . إما لنقص في التجربة أو ضعف في العزيمة أو خلاف في الآراء أو تنافس بين الأفراد أو لكل هذه الأسباب مجتمعة في وقت واحد . فبدلا من أن توضع خطة سياسية بعيدة المدى تتولى تنفيذها يد حازمة . . . لجئوا إلى الراحة وقضوا أوقاتهم الثمينة في بحث النظريات العقيمة غير حاسبين للمستقبل أقل حساب فكانت النتيجة أن انقسموا على أنفسهم شيعا وأحزابا » . ولو أن إنسانا أراد أن يصف حال العرب اليوم بعد اثنين وخمسين سنة وهم يواجهون الصهيونية ، هل كان يمكن أن يكتب غير هذا القول ؟ ! . الهمود ثم همدت سوريا ما عدا معارك إبراهيم هنانو في الشمال ومعارك صالح العلي في الجبل العلوي ، ثم انتهى كل شيء ! ! . ولقد كان عجيبا أن تقر دمشق بعد كل تلك الحماسة وأن تستطيب الدعة بعد كل ذاك الاضطراب ، ولكن الحقيقة أن الاحتلال فرق شمل المناضلين ، فتفرقوا فرارا من الفرنسيين في كل مكان أو انزوى منهم من انزوى سترا للعيون المترصدة . ثم بدأ الشمل يجتمع ، وبدأ بعض الراحلين يعودون ، ثم أخذوا يتداولون ويجتمعون ويتهامسون ، ثم بدأوا يجهرون بعض الجهر . أصبح الانفجار مؤكدا ، ومواد الوقود جاهزة لا تحتاج إلا إلى الشرارة التي تذكيها . وكان قد حدث على أثر الاحتلال ومجئ الجنرال إلى دمشق ، ثم عزمه على تلبية دعوة محمود الفاعور شيخ عرب الفضل في الجولان واتجاهه بطريق القنيطرة إلى مقر محمود الفاعور . حدث أن بضعة شبان من المناضلين قد كمنوا له في الطريق وأطلقوا على موكبه الرصاص محاولين اغتياله بعمل بطولي ، وكان يرافقه حقي العظم الذي كان قد نصبه الفرنسيون حاكما لدولة دمشق . فلم يصب غورو وإنما أصيب مرافقه الضابط فقتل وأصيب رفيقه حقي العظم برصاصة فجرح جرحا طفيفا ، كما مرت الإشارة إلى ذلك من قبل . ثم قامت أحداث محدودة لم تلبث أن خمدت أو أخمدت كحادثة مدرسة البحصة التي عبر فيها التلاميذ عن نقمتهم وأدت إلى إقالة مدير المدرسة أديب التقي . وذلك أن الطلاب حطموا صورة الجنرال غورو التي أمرت السلطات برفعهعا في المكاتب الحكومية وتغاضى أديب التقي عن ذلك فكان ما كان . وأخيرا انطلقت الشرارة التي كان لا بد أن تنطلق ومست البارود الهامد فانفجر انفجارا مدويا . الصيحة الأولى كانت المناسبة وصول المستر كراين في زيارة لدمشق في شهر نيسان 1922 ، والمستر كراين هو رئيس لجنة الاستفتاء التي جاءت إلى سوريا ولبنان في أعقاب الحرب العالمية الأولى وكان كراين هذا متوددا للعرب مظهرا الصداقة لهم ، فجاء في تلك الفترة يزور البلاد التي جاءها في يوم من الأيام مستفتيا وأسبغ عليها من عواطفه ما أرضاها ، فرأت دمشق أن تكرمه وتطور التكريم ففجر ما كان هامدا في النفوس من النقمة العارمة والثورة الجياشة فانطلق الخطباء ينددون بالانتداب ويعلنون نقمتهم على رجاله وينادون بالاستقلال ويحيونه ، فتجاوب الناس معهم ، ودوى في أجواء دمشق لأول مرة بعد ميسلون صوت الحرية وتعالى نداء الاستقلال . ثم كان توديع كراين ، فانقلب التوديع إلى مظاهرة وطنية صخابة ، كانت الأولى من نوعها في وجه الفرنسيين . وكان المحركون لكل ذلك والمسببون له هم الدكتور عبد الرحمن شهبندر وسعيد حيدر وحسن الحكيم ومن إليهم من شبان وإخوان .